أبو حامد الغزالي

141

تهافت الفلاسفة

مسألة في بيان عجزهم عن الاستدلال على وجود الصانع للعالم فنقول : الناس فرقتان : فرقة أهل الحق وقد رأوا أن العالم حادث ، وعلموا ضرورة أن الحادث لا يوجد من نفسه ، فافتقر إلى صانع ، فعقل مذهبهم في القول بالصانع . وفرقة أخرى هم الدهرية ، وقد رأوا أن العالم قديم ، كما هو عليه ، ولم يثبتوا له صانعا ، ومعتقدهم مفهوم ، وإن كان الدليل يدل على بطلانه . وأما الفلاسفة فقد رأوا أن العالم قديم ، ثم أثبتوا له صانعا مع ذلك ، وهذا المذهب بوضعه متناقض ، لا يحتاج فيه إلى إبطال . فإن قيل : نحن إذا قلنا : إن للعالم صانعا ، لم نرد به فاعلا مختارا ، يفعل بعد أن لم يكن يفعل كما يشاهد في أصناف الفاعلين من الخياط ، والنساج ، والبناء ، بل نعنى به علة العالم ، ونسميه المبدأ الأول ، على معنى أنه لا علة لوجوده ، وهو علة لوجود غيره ، فإن سميناه صانعا فبهذا التأويل . وثبوت موجود لا علة لوجوده ، يقوم عليه البرهان القطعي على قرب ، فإنا نقول : العالم ، موجوداته إما أن يكون لها علة ، أو لا علة لها ، فإن كان لها علة فتلك العلة لها علة أم لا علة لها ؟ ! وكذا القول في علة العلة ، فإما أن تتسلسل إلى غير نهاية وهو محال ، وإما أن تنتهى إلى طرف ، فالأخيرة علة أولى ، لا علة لوجودها ، فنسميها المبدأ الأول . وإن كان العالم موجودا بنفسه لا علة له ، فقد ظهر المبدأ الأول ، فإنا لم نعن به إلا موجودا لا علة له ، وهو ثابت بالضرورة .